معركة الرسوم والتراشق الكلامي: خيار الندّية يستوجب خفض التصعيد العاجل بين أوتاوا وواشنطن
دخلت العلاقات الكندية الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من التوتر المباشر، ولم يعد الخلاف محصوراً داخل أروقة الدبلوماسية، بل تحول إلى حرب رسوم جمركية وتراشق إعلامي حاد قد يدفع ثمنه ملايين المواطنين والشركات على جانبي الحدود.
بعد تعثر المفاوضات التجارية بين البلدين، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن كندا سترد بالمثل، «دولاراً مقابل دولار». وفي إطار هذا الرد، أعلنت الحكومة الكندية فرض رسوم مضادة بنسب 15% و25% و50% على مجموعة من المنتجات الأمريكية، بحسب نوع المنتج، على أن تدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر.
وأكد كارني أن كندا لن تقبل بشروط تضر بصناعاتها الاستراتيجية أو تجعل اقتصادها تابعاً للولايات المتحدة، وأن بلاده ستدافع عن مصالحها الوطنية.
ولم تقتصر الخلافات في المفاوضات على الرسوم والقطاعات الاقتصادية. فقد كشف كارني أن الجانب الأمريكي أثار أيضاً القواعد المتعلقة باستخدام اللغة الفرنسية على المنتجات، إلى جانب السياسات التي تدعم ظهور المحتوى الفرنسي والكندي على منصات البث. واعتبر المفاوضون الأمريكيون بعض هذه القواعد عوائق تجارية، بينما رفضت الحكومة الكندية إدخالها ضمن التنازلات، مؤكدة أن حماية اللغة الفرنسية والثقافة الكندية ليست مسألة تجارية قابلة للمساومة، بل جزء من حقوق الكنديين وسيادة البلاد.
التصعيد لم يتوقف عند الحكومة الفيدرالية. فقد دخل حاكم أونتاريو، دوغ فورد، في مواجهة كلامية حادة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولوح باستخدام ما تملكه المقاطعة من أوراق ضغط، ومنها الكهرباء والموارد والمعادن التي تعتمد عليها أجزاء من السوق الأمريكية.
ترامب بدوره لم يتأخر في الرد، وصعّد خطابه تجاه كندا وفورد، مع التهديد برفع الرسوم على قطاع السيارات، ووصل التراشق الكلامي إلى الحديث بسخرية عن اسم “بحيرة أونتاريو”.
لكن خلف هذا الخطاب الحاد توجد حقيقة يصعب تجاهلها: أي حرب اقتصادية طويلة بين كندا والولايات المتحدة ستؤذي الطرفين.
في الولايات المتحدة نفسها هناك ولايات، مثل ميشيغان وغيرها، ترتبط بشكل مباشر بالاقتصاد الكندي، خصوصاً في صناعة السيارات والطاقة وسلاسل التوريد. ولهذا فإن زيادة الرسوم لا تعني فقط الضغط على كندا، بل قد تنعكس أيضاً على العامل والمستهلك والشركات داخل الولايات المتحدة.
من وجهة نظري، الاستمرار في رفع سقف التصعيد ليس في مصلحة أي من البلدين. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون الحل بأن تقدم كندا التنازلات من طرف واحد.
كندا ليست مجرد دولة أخرى في قائمة الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. هي الجار الأقرب، وبين البلدين علاقات تاريخية وأمنية واقتصادية عميقة، إضافة إلى تشابك كبير في قطاعات الطاقة والسيارات والصناعة والدفاع.
لهذا فإن خيار الندّية لا يعني استمرار التصعيد إلى ما لا نهاية، كما أن خفض التصعيد لا يعني التراجع أو القبول بكل الشروط الأمريكية.
الحل يحتاج إلى تنازلات متبادلة ومتوازنة، تحمي مصالح البلدين وتحترم في الوقت نفسه حق كل دولة في حماية اقتصادها وقراراتها الوطنية. العودة إلى طاولة المفاوضات أصبحت ضرورة، لأن استمرار هذه المعركة ستكون له تكلفة حقيقية على المواطنين قبل السياسيين.
ومن المتوقع أيضاً أن يزداد الضغط خلال الفترة المقبلة من الشركات والمصنعين والمزارعين وغرف التجارة والجهات الاقتصادية في البلدين، لأن هذه الأطراف ستكون من أول المتضررين إذا استمرت الحرب التجارية.
وفي المقابل، يجب ألا تمر هذه الأزمة على كندا من دون الاستفادة منها.
الاعتماد الكبير على السوق الأمريكية يجعل الاقتصاد الكندي أكثر تأثراً بأي تغيير سياسي أو اقتصادي في واشنطن. لهذا فإن تنويع الشركاء التجاريين وفتح أسواق جديدة وجذب استثمارات من مناطق مختلفة في العالم يجب أن يتحول من مجرد حديث سياسي إلى استراتيجية طويلة المدى.
هذا لا يعني الابتعاد عن الولايات المتحدة، فالواقع الجغرافي والاقتصادي يجعل العلاقة معها أساسية لكندا، لكنه يعني ألا يكون جزء كبير من مستقبل الاقتصاد الكندي مرتبطاً بسوق واحدة فقط.
العلاقة بين البلدين أكبر من خلاف سياسي أو إدارة أمريكية أو حكومة كندية، ولذلك فإن حماية هذه العلاقة تتطلب الهدوء والندية في الوقت نفسه، والعودة إلى الحوار قبل أن يدفع المواطن الكندي والأمريكي ثمن معركة يمكن حلها بالتفاوض.
رضوان حبيش
صحفي مختص بشؤون الهجرة والسياسة الكندية
مقيم في كندا
The post معركة الرسوم والتراشق الكلامي: خيار الندّية يستوجب خفض التصعيد العاجل بين أوتاوا وواشنطن appeared first on يمن مونيتور.