أين الجمهورية من كل هذه الحرب؟

اكتوبر 5, 2026 - 15:00
 0  1
أين الجمهورية من كل هذه الحرب؟

كلما تابعت أخبار الحرب في اليمن، أجد نفسي أبحث عن معركة مختلفة؛ معركة الجمهورية والديمقراطية والتعدد السياسي، معركة استعادة أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، واستكمال مشروع الدولة المدنية التي ظللنا نحلم بها ونناضل من أجلها طوال عقود.

لكنني، في المشهد الراهن، لا أجد هذه المعركة واضحة.

أجد صراعا عسكريا وسياسيا تتداخل فيه مشاريع محلية وإقليمية، بينما تتراجع القضية الأساسية التي دفع اليمنيون ثمنا باهظا من أجلها: بناء دولة وطنية حديثة، تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتعدد السياسي، والمؤسسات الدستورية.

في أحد طرفي المشهد يقف الحوثيون بمشروع سياسي ذي مرجعية دينية واضحة، مع خطاب يعلن القبول بالمؤسسات والديمقراطية ومشاركة القوى السياسية. وقد تمكن هذا الخطاب، في مراحل مختلفة، من استقطاب بعض الليبراليين والاشتراكيين والمدنيين، بل وحتى بعض الذين كانوا يرفضون توظيف الدين في المجال السياسي.

لكن العبرة في المشاريع السياسية ليست بما تقوله في خطابها، وإنما بما تكرسه في الواقع من قواعد للحكم والسلطة والمواطنة.

وفي الطرف الآخر تقف الشرعية التي كان يفترض أن تكون الإطار الجامع لمختلف القوى السياسية، والحاضنة لمخرجات الحوار الوطني، والدستور، ومشروع الدولة الاتحادية، وكل ما توافق عليه اليمنيون قبل أن يفرض السلاح منطقه على الحياة السياسية.

غير أن هذه الأطراف ارتبطت بالصراع الإقليمي بين إيران ومحورها والتحالف وتحالفاته، لم يستطعون أن يحافظوا على استقلال قرارهم الوطني، وتحولت الشرعية، بفعل تشابك المصالح والتدخلات الإقليمية، إلى جزء من معادلة أكبر من الصراع اليمني نفسه.

وهنا تكمن المعضلة.

فبدلا من أن تكون الحرب امتدادا لمعركة اليمنيين من أجل دولتهم، أصبح اليمن ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية ودولية، لكل منها حساباته ومصالحه وأولوياته.

طرف يرتبط بإيران ومحورها، وطرف تدعمه دول التحالف، وبين الطرفين وطن يزداد إنهاكا، ومؤسسات تتراجع، ومجتمع يدفع الثمن، وأجيال جديدة تنشأ وسط خطاب الحرب والكراهية والانقسام.

لكن السؤال الذي لا يزال غائبا، أو يجري تغييبه وسط ضجيج المعارك، هو:

أين الجمهورية من كل ذلك؟

أين أهداف ثورة سبتمبر؟

أين أهداف ثورة أكتوبر؟

أين الديمقراطية؟

أين التعدد السياسي؟

أين الدولة المدنية؟

أين المواطنة المتساوية؟

وأين ذلك اليمن الذي حلمنا به، والذي أمضينا سنوات من أعمارنا نحدث أبناءنا وشبابنا عنه؟

المشكلة ليست في أن اليمنيين يختلفون سياسيا؛ فالاختلاف السياسي حق طبيعي في أي مجتمع. المشكلة أن السياسة نفسها تراجعت أمام القوة المسلحة، وأن الدولة أصبحت موضوعا ثانويا في صراع تتقدم فيه حسابات الجماعات والمحاور على حساب المصلحة الوطنية.

ولذلك فإن معيارنا لا ينبغي أن يكون: من يقاتل من؟ ومن يدعم من؟

بل يجب أن يكون السؤال:

ما الدولة التي يريد كل طرف أن يبنيها بعد انتهاء الحرب؟

هل هي دولة المواطنة المتساوية؟

هل هي دولة المؤسسات؟

هل هي دولة التداول السلميج للسلطة؟

هل هي دولة تحترم التعدد السياسي والفكري والمذهبي والمناطقي؟

أم أننا سننتهي إلى إعادة إنتاج نظام يقوم على احتكار السلطة والثروة، أيا كان صاحب هذا الاحتكار أو شعاره أو مرجعيته؟

إن الجمهورية ليست مجرد اسم يكتب في الوثائق الرسمية، والديمقراطية ليست صندوق اقتراع، والدولة المدنية ليست شعارا يرفع في المناسبات. هذه كلها منظومة متكاملة تبدأ بالمواطنة وتنتهي بدولة القانون.

ولهذا فإن استعادة الجمهورية لا تعني فقط استعادة مدينة أو محافظة أو موقع عسكري. إنها تعني استعادة معنى الدولة نفسها.

كما أن الدفاع عن سبتمبر لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد احتفال سنوي، ولا الدفاع عن أكتوبر إلى استدعاء للتاريخ، وإنما إلى التزام بمبادئهما الأساسية: التحرر من الاستبداد، ورفض الحكم القائم على الامتياز والاحتكار، وبناء دولة يكون فيها المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات.

والمؤسف أن جيلا كاملا من اليمنيين تربى على حلم الدولة، ثم وجد نفسه أمام واقع مختلف تماما. شباب لم يعيشوا تفاصيل المراحل التي سبقت الحرب، لكنهم ورثوا نتائجها؛ الانقسام، والخوف، والفقر، والخطاب المتطرف، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وتحول السياسة إلى معركة هوية.

وهنا تقع مسؤولية جيلنا.

لا يجوز أن نترك أبناءنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانضمام إلى هذا المحور أو ذاك، وإما الوقوف مع هذه الجماعة أو تلك.

هناك خيار ثالث يجب أن يبقى حاضرا في الوعي اليمني:

الدولة.

دولة لا تكون تابعة لمحور إقليمي، ولا رهينة لجماعة مسلحة، ولا ملكا لحزب، ولا امتيازا لأسرة، ولا حكرا على منطقة أو مذهب.

دولة تستعيد قرارها الوطني، وتحمي مواطنيها، وتحتكم إلى مؤسساتها، وتتيح لكل اليمنيين حق المشاركة السياسية دون خوف أو إقصاء.

لقد طال أمد الحرب إلى درجة أصبح معها السؤال عن مستقبل اليمن أكثر أهمية من السؤال عن نتيجة المعركة القادمة.

فقد نخسر جولة ونستعيدها، وقد تتغير التحالفات، وقد تتبدل خرائط النفوذ، لكن الخطر الحقيقي هو أن تنتهي الحرب بينما يبقى اليمن بلا مشروع وطني واضح.

وحينها سنكون قد استبدلنا صراعا بصراع، وجماعة بجماعة، ومحورا بمحور، من دون أن نقترب خطوة واحدة من الدولة التي حلمنا بها.

لذلك، فإن المعركة التي تستحق أن يخوضها اليمنيون اليوم ليست معركة المحاور، ولا معركة النفوذ الإقليمي، ولا معركة الشعارات المتناقضة.

إنها معركة استعادة اليمن كدولة.

استعادة الجمهورية من معناها الشكلي إلى مضمونها السياسي.

استعادة الديمقراطية من الخطاب إلى الممارسة.

استعادة التعدد السياسي من الإقصاء.

استعادة المواطنة من العصبيات.

واستعادة القرار الوطني من الارتهان.

فالسؤال في النهاية ليس: من سينتصر في الحرب؟

السؤال الأهم هو:

ماذا سيتبقى لليمنيين بعد أن تنتهي الحرب؟

وهل سيكون ما تبقى وطنا قادرا على بناء دولة يتساوى فيها أبناؤه، أم مجرد جغرافيا خرجت من حرب لتدخل أخرى؟

ذلك هو السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرا في وجداننا، لأننا لم نناضل طوال هذه العقود من أجل أن يستبدل اليمنيون سلطة بأخرى، وإنما من أجل أن يصلوا أخيرا إلى الدولة التي يستحقونها.

The post أين الجمهورية من كل هذه الحرب؟ appeared first on يمن مونيتور.